ابن العربي
514
أحكام القرآن
من أحد . التقدير : لا يحبّ الجهر بالسوء لأحد إلّا من ظلم . والذي قرأها بالفتح هو زيد بن أسلم ، وكان من العلماء بالقرآن ، وقد أغفل المتكلّمون على الآية تقديرها وإعرابها ، وقد بيناه في ملجئة المتفقهين ؛ واختصاره أنّ الآية لا بدّ فيها من حذف مقدّر ، تقديره في فاتحة الآية ليأتي الاستثناء مركّبا على معنى مقدّر خير من تقديره هذا الاستثناء فنقول : معنى الآية لا يحبّ اللّه الجهر بالسوء من القول لأحد إلّا من ظلم ، بضم الظاء . أو نقول مقدرا للقراءة الأخرى : لا يحبّ اللّه الجهر بالسوء من القول لأحد إلّا من ظلم ، فهذا خير لك من أن تقول تقديره : لكن من ظلم بضم الظاء فإنه كذا . أو من ظلم فإنه كذا ، التقدير أبعد منه وأضعف ، كما قدّر العلماء المحققون في قوله تعالى « 1 » : إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ . إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ . قيل الاستثناء تقديرا انتظم به الكلام واتّسق به المعنى ؛ قالوا : تقدير الآية إني لا يخاف لدىّ المرسلون ، لكن يخاف الظالمون ، إلا من ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء ، فإني غفور رحيم . الآية التاسعة والخمسون - قوله تعالى « 2 » : وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً . المسألة الأولى - قد قدّمنا القول في مخاطبة الكفّار بفروع الشريعة في مسائل الأصول ، وأشرنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب ، ولا خلاف في مذهب مالك في أنهم يخاطبون . وقد بيّن اللّه تعالى في هذه الآية أنهم نهوا عن الربا وأكل المال بالباطل ، فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن وأنهم دخلوا في الخطاب فيها ونعمت ، وإن كان ذلك خبرا عما أنزل اللّه عزّ وجل على موسى في التوراة ، وأنهم بدّلوا وحرّفوا وعصوا وخالفوا - فهل يجوز لنا معاملتهم ، والقوم قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا ؟ فظنت طائفة أن معاملتهم لا تجوز ؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد . والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحامهم ما حرّم اللّه سبحانه عليهم ، فقد قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة : قال اللّه تعالى « 3 » : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ .
--> ( 1 ) سورة النمل ، آية 10 ، 11 ( 2 ) الآية الواحدة والستون بعد المائة . ( 3 ) سورة المائدة ، آية 5